العراق يجذب استثمارات بأكثر من 100 مليار دولار في محاولة لاستعادة مكانته الإقليمية

بعد عقود من الحروب وعدم الاستقرار، يسعى العراق اليوم لتقديم نفسه كـ”أرض خصبة للاستثمار”، مع تسجيل تعهدات تفوق 100 مليار دولار منذ مطلع عام 2023، نصفها تقريبًا من مستثمرين أجانب.
ويؤكد رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار، حيدر مكية، أن هذه الطفرة لم تكن لتتحقق لولا التحسن النسبي في الاستقرار السياسي والأمني منذ أواخر عام 2022، حين تولت حكومة محمد شياع السوداني السلطة.
وقال مكية إن العراق وضع خطة لإضافة 100 مليار دولار إضافية من المشاريع خلال العامين المقبلين، مع التركيز على البنية التحتية الأساسية مثل الإسكان، والطاقة، والزراعة، والصناعة.
وقد اعتمدت الهيئة الوطنية للاستثمار إصلاحات إدارية خفّضت من البيروقراطية، مثل تسريع إصدار التأشيرات من عشرة أيام إلى أقل من 48 ساعة، فيما جرى إعداد تعديلات على قانون الاستثمار لتسهيل دخول الشركات الأجنبية.
رغم ذلك، لا يزال إصدار رخص الاستثمار يستغرق شهرين إلى ثلاثة أشهر بسبب تداخل الصلاحيات وضعف التعاون مع بعض الوزارات.
ويقول مكية: “العراق أرض خصبة لمشاريع الاستثمار، لكننا بحاجة إلى إزالة العقبات البيروقراطية والإدارية ليكون أكثر جاذبية”.
مشاريع إسكان وطاقة ضخمة
أحد أبرز التحديات يتمثل في النقص الحاد في المساكن. فبينما يجري العمل على نحو 660 ألف وحدة سكنية جديدة، لا تزال البلاد بحاجة إلى 3 ملايين وحدة لتلبية الطلب.
أما في قطاع الطاقة، فقد وقّع العراق في السنوات الأخيرة اتفاقيات كبرى مع شركات عالمية:
شركة “بي بي” البريطانية: استثمار يتجاوز 25 مليار دولار لتطوير حقول نفط كركوك باحتياطات تقدَّر بـ 7 مليارات برميل، وزيادة الإنتاج إلى 420 ألف برميل يوميًا.
تحالف صيني-عراقي في البصرة: مشروع متكامل يشمل إنتاج النفط والغاز والتكرير والبتروكيماويات وتوليد الكهرباء.
توتال إنرجيز الفرنسية: صفقة بـ 27 مليار دولار عام 2023 لتطوير مشاريع النفط والغاز والطاقة المتجددة.
إلى جانب ذلك، تعمل الحكومة على تطوير محطات كهرباء ومشاريع للطاقة الشمسية، بما ينسجم مع الحاجة الملحّة لتلبية الطلب المحلي المتزايد وتوفير فائض للتصدير.
اتفاقيات دولية لجذب المستثمرين
في خطوة لطمأنة المستثمرين، وقّع العراق العام الماضي على اتفاقية سنغافورة بشأن تسوية النزاعات التجارية عبر الوساطة، ما يعزز الإطار القانوني لحل النزاعات ويجعل البلاد بيئة أكثر أمانًا للاستثمار.
ووفق مكية، فإن توقيع الاتفاقية يمثل تحولًا مفصليًا: “انطفأ الضوء الأحمر وأضاء الضوء الأخضر للمستثمرين”.
مشروع “طريق التنمية” ودور الخليج
من بين المشاريع الاستراتيجية، يبرز مشروع “طريق التنمية” الذي تبلغ كلفته 17 مليار دولار، لربط موانئ البصرة على الخليج بتركيا، ومنها إلى أوروبا.
وقد وقع العراق اتفاقًا أوليًا مع تركيا وقطر والإمارات للمشاركة في المشروع، الذي يتضمن خطًا بريًا وسكة حديد عالية السرعة، إلى جانب إنشاء مناطق اقتصادية وصناعية على طول الطريق. وتُعد شركة “أوليفر وايمان” الأميركية الاستشارية دراسة اقتصادية متكاملة للمشروع، من المتوقع إنجازها خلال الأشهر المقبلة.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره رافعة لإعادة دمج العراق في الاقتصاد الإقليمي، وتحويله إلى عقدة تجارية بين الخليج وتركيا وأوروبا. مشاركة قطر والإمارات تحديدًا تعكس التوجه الخليجي نحو تعزيز نفوذ اقتصادي في العراق، وربطه بممرات الطاقة والتجارة العالمية.
تحديات قائمة
رغم هذه التطورات، يقرّ مكية بأن البيئة الاستثمارية في العراق لا تزال هشة. فالعقبات تشمل:
الفساد الإداري والمالي الذي طالما أعاق المشاريع الكبرى.
البنية التحتية المتقادمة التي تتطلب استثمارات تفوق تريليون دولار.
الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات أسعار الطاقة.
التوترات الإقليمية، مثل الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، التي تسببت في تأجيل مؤتمر استثماري كان مقررًا في بغداد في يونيو/حزيران.
وقال مكية: “الاستثمار في العراق سيتأثر بالتأكيد بأي صراع في المنطقة، ونأمل أن يبقى العراق بعيدًا عنه”.
وتستهدف الحكومة العراقية جعل البلاد مركزًا استثماريًا رئيسيًا خلال العقد المقبل، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية الضخمة، إضافة إلى حاجتها الكبيرة لإعادة الإعمار.
وتخطط بغداد لعقد مؤتمر استثماري دولي في 27-28 سبتمبر الجاري لعرض أكثر من 100 فرصة استثمارية، في محاولة لجذب المزيد من رؤوس الأموال والشركات العالمية.
يختتم مكية بتفاؤل: “نأمل أن يصبح الوضع أكثر إشراقًا بعد عشر سنوات من الاستقرار، وأن يعود العراق لاعبًا إقليميًا رئيسيًا، ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضًا في البنية التحتية والتكنولوجيا والاتصالات”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.