كشفت صحيفة التلغراف البريطانية أن حكومة جنوب السودان وافقت على استقبال عدد من الفلسطينيين من قطاع غزة، وذلك بناءً على طلب إسرائيلي، وضمن صفقة ثلاثية ضمّت الولايات المتحدة والإمارات. وأكد مسؤول في وزارة الخارجية في جوبا أن الصفقة تتضمن ترتيبات مالية وسياسية، رغم النفي العلني الصادر عن الحكومة، واعتبارها أن ما تردد “لا يعكس السياسة الرسمية”.
وبحسب المصدر، فإن الإمارات ستقدم تمويلاً مباشراً لدعم المشروع، بينما ستقوم الولايات المتحدة برفع بعض العقوبات المفروضة على جنوب السودان، في حين ستستثمر إسرائيل في قطاعات الصحة والتعليم في الدولة الأفريقية.
شروط الصفقة وحساسيتها السياسية
المسؤول ذاته أوضح أن أرض جنوب السودان “كافية لاستضافة مزيد من الأشخاص من جنسيات مختلفة”، وأن الخطوة قد تفتح المجال أمام تدفق الأعمال والاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد المحلي المتعثر. إلا أنه أقرّ بأن الملف “حساس للغاية” داخلياً، نظراً لتعقيدات الوضع السياسي في البلاد ومعارضة قطاعات واسعة من النخبة.
وأضاف أن الاتفاق حظي بموافقة مجلس الوزراء، لكنه واجه رفضاً من أطراف أخرى داخل مؤسسات الحكم، ما يجعل الحكومة غير مستعدة للإعلان عنه رسمياً في الوقت الراهن.
معارضة داخلية حادة
في البرلمان، عبّر عدد من النواب عن رفضهم القاطع للخطة، معتبرين أن جنوب السودان دولة فتية غير قادرة حتى على إطعام شعبها، فكيف لها استقبال أعداد جديدة من اللاجئين. وقال أحد النواب: “سنرفض الفكرة مجدداً في الاجتماع القادم للبرلمان… هذه الخطة غير مقبولة”.
المعارضة البرلمانية تعكس قلقاً شعبياً من التورط في قضية دولية معقدة قد تجرّ البلاد إلى نزاعات سياسية ودبلوماسية غير محسوبة.
زيارات دبلوماسية وتحركات إسرائيلية
تزامنت التسريبات مع وصول شارين هاسكل، نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، إلى جوبا لتوقيع مذكرة تفاهم بشأن “المشاورات الثنائية”، وذلك بعد أسبوع من زيارة نائبة وزير خارجية جنوب السودان إلى تل أبيب. كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن ستة مصادر أن محادثات إعادة توطين فلسطينيين في الدولة الأفريقية “تتقدم” بشكل ملموس، وأن وفداً إسرائيلياً سيزور جوبا قريباً لدراسة جدوى إنشاء مخيمات.
انتقادات دولية واتهامات بالتطهير العرقي
إسرائيل تواجه منذ أشهر انتقادات دولية واسعة بسبب طرحها فكرة “التوطين الطوعي” لسكان غزة، وهي الفكرة التي يروّج لها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كخيار لمن يرغب في مغادرة القطاع. لكن منظمات حقوقية ودولاً عربية ودولية ترى أن الظروف المأساوية التي يعيشها سكان غزة تجعل “الطوعية” أمراً مشكوكاً فيه، وأن هذه الخطط قد ترقى إلى التهجير القسري، وهو ما يُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
خلفية الفكرة ودور واشنطن
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان أول من أعاد إحياء هذه الفكرة في فبراير الماضي، متحدثاً عن إعادة تطوير غزة بالكامل لتصبح جزءاً مما سماه “ريفييرا الشرق الأوسط”. ورغم أن إسرائيل تصرّ على أن أي إعادة توطين ستكون “طوعية”، إلا أن تصريحات بعض شركاء نتنياهو في الائتلاف الحاكم، التي تدعو لإعادة بناء المستوطنات اليهودية في غزة، أثارت الشكوك حول النوايا الحقيقية.
ضغوط إقليمية وبدائل مطروحة
مصر والأردن، بوصفهما الجارتين الأقرب جغرافياً، رفضتا بشكل واضح استقبال أي فلسطينيين ضمن هذه الخطة، رغم ما وُصف بـ”ضغوط قوية” من إدارة ترامب. كما أشارت تقارير إلى محادثات إسرائيلية مع دول أخرى مثل إندونيسيا وليبيا وإثيوبيا والصومال وأرض الصومال، لكنها لم تؤدِّ إلى اتفاقات فعلية.
المصالح المتبادلة
جنوب السودان، الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة بعد سنوات من الحرب الأهلية، يبحث عن مصادر للعملات الصعبة ودعم إعادة الإعمار. ووفق تقارير إعلامية، فقد سبق أن تلقى دعماً من جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد” خلال صراعه مع السودان. بالمقابل، ترى تل أبيب أن فتح مسارات لإعادة توطين الفلسطينيين في دول ثالثة قد يخفف الضغط الدولي عليها، خصوصاً في ظل الانتقادات المتصاعدة لأوضاع غزة الإنسانية.
تحذيرات ومخاطر
محللون حذروا من أن أي اتفاق كهذا قد يضع جنوب السودان في مواجهة مباشرة مع دول عربية وإسلامية رافضة لمبدأ تهجير الفلسطينيين. كما قد يفاقم الانقسامات الداخلية إذا ما استشعر المواطنون أن حكومتهم تتجاهل أولوياتهم المعيشية لصالح التزامات سياسية خارجية.
رغم النفي الرسمي من جوبا، تكشف المعلومات المتقاطعة أن قنوات خلفية تعمل على إنضاج اتفاق يربط بين الدعم المالي والسياسي لجنوب السودان، وبين خطة إسرائيلية مثيرة للجدل لإعادة توطين فلسطينيين من غزة. وبينما ترى الحكومة الإسرائيلية في هذه الخطوة “حلاً إنسانياً طوعياً”، يعتبرها معارضوها “تهجيراً مقنّعاً” يضرب جذور القضية الفلسطينية.
ومع استمرار الحرب في غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية، يبدو أن ملف “التوطين” سيبقى ورقة خلافية ساخنة على الطاولة الإقليمية والدولية، خاصة إذا ما مضت جوبا وتل أبيب قدماً في تحويل التفاهمات السرية إلى اتفاقات معلنة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72364