السودان في قلب لعبة النفوذ الخليجي: أبوظبي والرياض تتقاطعان على أرض حرب مفتوحة

يتحوّل الصراع في السودان بوتيرة متسارعة من حرب داخلية على السلطة إلى ساحة تتقاطع فوقها حسابات إقليمية أوسع، في مقدمتها التنافس غير المعلن بين الإمارات والسعودية، في مشهد يعيد إنتاج أنماط شوهدت سابقًا في اليمن، لكن بجغرافيا أشد حساسية تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.

وأبرزت منصة ذا ميديا لاين الإخبارية الكشف عن استضافة إثيوبيا مرافق تدريب يُعتقد أنها مرتبطة بقوات الدعم السريع، مع حديث عن دعم إماراتي مباشر أو غير مباشر.

ورغم النفي المتكرر من جانب أبوظبي، فإن تكرار هذه المعطيات يسلّط الضوء على اتساع رقعة الصراع جغرافيًا، وتحوله من أزمة سودانية داخلية إلى عقدة أمنية إقليمية متعددة المستويات.

وقالت المنصة إن أهمية هذه التطورات لا تكمن في بعدها العسكري فحسب، بل في كونها جزءًا من نمط آخذ في التبلور، حيث تتحول دول الجوار إلى قواعد خلفية للصراع، فيما تتعامل القوى الخليجية مع السودان وفق مقاربات مختلفة.

فالحرب باتت تتقاطع مع بنية أمنية تمتد عبر البحر الأحمر، وتربط بين الموانئ، والممرات البحرية، ومسارات النفوذ في القرن الأفريقي.

ومن المنظور السعودي، لا يُنظر إلى ما يجري في السودان بوصفه تنافسًا مباشرًا مع الإمارات، بل باعتباره حالة عدم استقرار بنيوية تهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويوضح المحلل السياسي السعودي عبدالعزيز الشعباني لـ«ذا ميديا لاين» أن الرياض تقرأ تطورات السودان أساسًا من زاوية الاستقرار الإقليمي وأمن البحر الأحمر، لا من زاوية صراع الوكالة.

ويشدد الشعباني على ضرورة التعامل بحذر مع التقارير المتعلقة بتحركات الجماعات المسلحة أو معسكرات التدريب، في ظل بيئة معلومات شديدة التسييس.

وبحسب هذا التصور، تركز السعودية على خفض التصعيد والوساطة ومنع امتداد الصراع، خصوصًا ما يتعلق بالملاحة والأمن العابر للحدود.

فالأولوية، من وجهة النظر السعودية، هي منع انهيار الدولة السودانية وتقليص التفكك، لا الدخول في ترتيبات أمنية تنافسية قد تزيد المشهد تعقيدًا.

في المقابل، يرى محللون آخرون أن البعد الإثيوبي – في حال تأكدت التقارير المتداولة – يحمل طابعًا عمليًا مباشرًا يتجاوز منطق “الاحتواء”.

ويذهب المحلل السياسي سيريل ويدرشوفن إلى أن استخدام أراضٍ إثيوبية كعمق استراتيجي لتدريب مقاتلين قد يعكس إسقاط نفوذ عبر الوكلاء، خصوصًا إذا ارتبط بتمويل أو دعم تدريبي من فاعل خليجي. وبرأيه، فإن السودان، بساحله الطويل وعمقه الاستراتيجي، يتحول تدريجيًا إلى ساحة تنافس سعودي–إماراتي، بالتوازي مع ملف اليمن.

ويعيد هذا التوصيف إلى الواجهة تجربة اليمن، حيث انسحبت الإمارات عسكريًا لكنها أبقت نفوذًا عبر قوى محلية، في حين عززت السعودية حضورها في الترتيبات الأمنية الرسمية.

واليوم، يرى مراقبون أن القرن الأفريقي قد يشهد إعادة تموضع مشابهة، لكن من دون “نقل نفوذ نظيف”، إذ إن الأدوات تتغير، بينما تبقى الأهداف مرتبطة بالتحكم في الممرات البحرية وأوراق الضغط الإقليمية.

وقد أصبحت الاتهامات الموجهة للإمارات، رغم نفيها المستمر، جزءًا من نقاش أوسع حول غياب سياسة خليجية موحدة تجاه السودان.

فبينما تسعى الرياض إلى حماية مصالحها الاقتصادية والاستثمارية المرتبطة بالبحر الأحمر، تعمل أبوظبي – وفق منتقديها – على إسقاط نفوذها عبر شراكات مع فاعلين مسلحين من غير الدول، بما يمنحها هامش مناورة أكبر خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية.

غير أن الشعباني يرفض توصيف العلاقة بوصفها قطيعة استراتيجية، معتبرًا أن ما يجري يعكس اختلافًا في التكتيكات لا في الأهداف العامة، إذ يشترك الطرفان في القلق من تفكك السودان وتوسع نفوذ الميليشيات والجماعات المتطرفة. لكن هذا الاختلاف التكتيكي، في نظر محللين، قد يكون كافيًا لتغذية تنافس مُدار، قابل للتصعيد إذا خرجت الأدوات عن السيطرة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.