أحرزت قطر تقدماً لافتاً بتصدرها قائمة دول الخليج في تقرير “مؤشر السلام العالمي” لعام 2025، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP) الأسترالي، لتحل في المركز الـ27 عالمياً، متقدمة على جميع جيرانها الخليجيين، في انعكاس لاستقرارها الأمني والاجتماعي، واستمرار سياساتها التي توازن بين الديناميات الإقليمية والدولية المضطربة.
وجاءت الكويت في المرتبة الثانية خليجياً، محتلة المركز الـ31 عالمياً، تليها سلطنة عمان في المركز الـ42، فيما حلّت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الـ52. أما السعودية، صاحبة الثقل السياسي والاقتصادي الأبرز في المنطقة، فقد جاءت في المركز الـ90، بينما جاءت البحرين في ذيل الترتيب الخليجي، محتلة المركز الـ100 على مستوى العالم.
قطر تتصدر.. استقرار سياسي وتوازن دبلوماسي
تصدر قطر للمشهد يعكس نجاح سياستها الخارجية الهادئة نسبياً، وقدرتها على إدارة علاقاتها مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، رغم كونها جزءاً من منطقة تعاني أزمات ممتدة مثل الصراعات في اليمن وسوريا، والتوترات الإيرانية الخليجية.
ويرى مراقبون أن قطر استفادت من تجربة الحصار الخليجي الذي انتهى في أوائل 2021، فأعادت ترتيب أولوياتها الداخلية، وعززت استثماراتها في مجالات الاقتصاد غير النفطي، والبنية التحتية، والأمن الغذائي، إضافة إلى دورها الفاعل كوسيط في ملفات دولية معقدة، مثل المفاوضات مع طالبان في أفغانستان، أو ملفات التهدئة في غزة.
كل ذلك انعكس إيجاباً على مؤشراتها الأمنية والسياسية، ما جعلها تتصدر دول الخليج في مؤشر السلام العالمي.
الكويت وعمان.. سياسة الحياد تكسب نقاطاً
حافظت الكويت على ترتيب متقدم نسبياً في المركز الـ31 عالمياً، مدعومة بسياسة خارجية حذرة تراعي الحساسيات الإقليمية، واستقرار سياسي داخلي، رغم التحديات السياسية المتكررة المتمثلة في حل البرلمان وتغيّر الحكومات.
أما سلطنة عمان فجاءت في المركز الـ42، مستفيدة من نهجها التقليدي القائم على الحياد الإيجابي، وعلاقاتها الجيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، بما في ذلك إيران. ويعتبر مراقبون أن السلطنة نجحت في البقاء بعيداً عن النزاعات المسلحة في المنطقة، مما انعكس على ترتيبها الجيد نسبياً في المؤشر.
الإمارات والسعودية.. الاقتصاد لا يكفي
حلت الإمارات في المرتبة الـ52، وهو ترتيب جيد نسبياً لكنه أدنى من السنوات السابقة. ويعزو محللون ذلك إلى انخراط أبوظبي في ملفات إقليمية معقدة، منها الحرب في اليمن، والتدخلات العسكرية في ليبيا، إضافة إلى الانخراط الأمني المتزايد في القرن الإفريقي.
كما أثرت ملفات حقوق الإنسان وقوانين تقييد الحريات العامة في ترتيب الإمارات ضمن المؤشرات الفرعية الخاصة بالأمن المجتمعي والسلامة الداخلية.
أما السعودية فجاءت في المركز الـ90، وهو ترتيب متأخر مقارنة بثقلها الإقليمي والدولي. ويرى محللون أن السبب يعود إلى انخراط الرياض في الحرب باليمن منذ 2015، فضلاً عن تحدياتها الأمنية الداخلية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، إضافة إلى التوترات المستمرة مع إيران، والتغيرات الاجتماعية العميقة التي يشهدها المجتمع السعودي في ظل رؤية 2030، والتي يرافقها أحياناً تشدد أمني لضبط التحولات.
البحرين.. مخاوف داخلية تؤثر على التصنيف
احتلت البحرين المركز الـ100 عالمياً، وهو الأدنى خليجياً، في انعكاس للملفات الداخلية العالقة، أبرزها الانقسامات السياسية والطائفية، وتداعيات قمع الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011، والتي لا تزال تلقي بظلالها على الوضع الأمني والسياسي في المملكة.
ويلاحظ التقرير استمرار القيود على الحريات السياسية والمدنية، ما أسهم في تراجع ترتيب البحرين ضمن المؤشرات الفرعية للمؤشر العالمي للسلام، مثل مؤشر الأمان المجتمعي ومؤشر النزاعات الداخلية.
المؤشر.. معايير متعددة لقياس السلام
يقيس “مؤشر السلام العالمي” مستويات السلمية في 163 دولة تغطي أكثر من 99.7% من سكان العالم، عبر 23 مؤشراً فرعياً تشمل الأمن المجتمعي، النزاعات الداخلية والخارجية، ومستوى العسكرة.
ويحظى التقرير بمتابعة واسعة من الحكومات والمنظمات الدولية، باعتباره مرجعاً مهماً لقياس الاستقرار العالمي وفرص التنمية المستدامة.
ويؤكد تقرير 2025 أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا تزال الأكثر تأثراً بالنزاعات المسلحة، رغم تحسن طفيف في بعض المؤشرات، في حين تواصل دول الخليج إظهار تباينات واضحة في مستويات الأمن والاستقرار والسلام، وهو ما تعكسه نتائج هذا العام.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71949