قبل نحو عقد من الزمن، كان من الصعب على كثير من المراقبين تصور حجم وسرعة التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم.
ومع اقتراب رؤية 2030 من مرحلتها النهائية، باتت ملامح هذا التحول أكثر وضوحاً، ليس فقط على الصعيد الداخلي، بل أيضاً في الطريقة التي توسّع بها الرياض نفوذها العالمي عبر الرياضة وأسواق رأس المال، وفق تقرير نشرته مجلة فوربس.
وعلى المستوى الاقتصادي المحلي، تشير المؤشرات إلى تغيّر هيكلي ملموس. فقد ارتفعت نسبة تملّك المساكن إلى نحو 65% بعد أن كانت في منتصف الأربعينيات قبل إطلاق الإصلاحات، مدفوعة ببرامج الرهن العقاري المدعومة حكومياً وتوسيع المعروض السكني.
وتهدف الحكومة إلى بلوغ 70% بحلول عام 2030، وهو هدف يبدو في المتناول إذا استمرت الوتيرة الحالية.
وفي سوق العمل، تراجعت البطالة إلى ما بين 7 و7.5%، وهو أدنى مستوى مسجّل تاريخياً، في ظل توسع دور القطاع الخاص وارتفاع مشاركة النساء. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في بلد يشكّل فيه الشباب دون الثلاثين قرابة ثلثي المواطنين، ما يجعل خلق الوظائف المستدامة أولوية استراتيجية.
ورغم مسار التنويع، لا يزال النفط يشكّل ركيزة مالية أساسية. فتداول خام برنت عند مستويات تقارب أواخر الستينيات من الدولارات للبرميل وفّر استقراراً للإيرادات، ما أتاح للحكومة تمويل التحول الاقتصادي بدلاً من التخلي المفاجئ عن قطاع الطاقة.
وفي قلب هذا المسار يقف صندوق الاستثمارات العامة، أحد أكثر الصناديق السيادية نشاطاً عالمياً. فمحلياً، يمول الصندوق مشاريع البنية التحتية والسياحة والتحول الرقمي، بينما يضخ استثمارات دولية في التكنولوجيا والسيارات والترفيه وإدارة الأصول. ولا تقتصر هذه الاستثمارات على العائد المالي، بل تهدف إلى نقل المعرفة ودمج الاقتصاد السعودي في شبكات رأس المال العالمية.
كما أصبحت الأسواق المالية السعودية أكثر انفتاحاً أمام المستثمرين الأجانب. فالسوق المالية (تداول) باتت الأكبر في الشرق الأوسط، وتتيح الانكشاف على قطاعات البنوك والبتروكيماويات والرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية، سواء عبر الاستثمار المباشر أو من خلال صناديق المؤشرات المتداولة.
لكن إذا كان الاقتصاد هو الأساس، فإن الرياضة أصبحت مكبّر الصوت العالمي للمملكة. فقد استثمرت السعودية مليارات الدولارات في كرة القدم والغولف والتنس وسباقات الخيل، في إطار استراتيجية واعية لاستخدام الرياضة كأداة نفوذ ناعم.
واستحواذ الصندوق السيادي على نادي نيوكاسل يونايتد، وإعادة هيكلة الدوري السعودي للمحترفين، عززا الحضور الدولي لكرة القدم السعودية. وفي الغولف، أعاد دعم دوري ليف غولف تشكيل المشهد الاحترافي، بينما دخلت التنس عبر استضافة بطولات عالمية.
أما في سباقات الخيل، فيبرز «كأس السعودية» كأعلى سباق من حيث الجوائز عالمياً، بقيمة 20 مليون دولار، مستقطباً نخبة الملاك والمدربين من مختلف القارات. ويجسد الحدث تلاقي التراث المحلي بالطموح العالمي، محولاً الرياض إلى محطة سنوية للنخب الرياضية والاستثمارية.
وترى فوربس أن هذه الاستثمارات لا تُستخدم كرموز دعائية فقط، بل كجزء من «عجلة اقتصادية» مقصودة: الرياضة تجذب السياحة، والسياحة تدفع البنية التحتية، والبنية التحتية تستقطب الاستثمار الخاص، الذي يخلق بدوره الوظائف وينقل المهارات.
ومع استعداد السعودية لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034، يتوقع أن تتسارع هذه الدينامية. وبينما لا يزال التحول قيد الإنجاز، تشير المؤشرات الاقتصادية والرياضية إلى أن المملكة لا تعيد صياغة اقتصادها فحسب، بل تعيد تموضعها كقوة إقليمية وعالمية صاعدة، على نحو لم يكن متوقعاً قبل عشر سنوات فقط.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74034