السعودية تطلق «القدية» وتراهن على الترفيه كصناعة للمستقبل

تدفع السعودية بثقل مالي غير مسبوق نحو قطاع الترفيه، في رهان تبلغ قيمته نحو 32 مليار دولار، مع افتتاح أول مدينة ملاهٍ كبرى في تاريخها، «ستة فلاجز القدية سيتي»، في خطوة تعكس تحوّلًا اقتصاديًا وثقافيًا عميقًا ضمن مساعي المملكة لإعادة تشكيل نمط الحياة وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط.

وعلى بعد نحو 40 ميلًا من الرياض، حيث تتلاشى ناطحات السحاب لتحل محلها منحدرات صحراوية شاهقة، شهد الزوار ليلة رأس السنة تجربة غير مسبوقة مع لعبة «رحلة الصقور»، المصنفة كأطول وأعلى وأسرع أفعوانية في العالم، بسرعة تصل إلى 155 ميلًا في الساعة وعلى مسار يقارب ثلاثة أميال في إعلان رمزي عن دخول السعودية عصرًا جديدًا من الصناعات الثقافية.

وتقول هِسّة صالح (26 عامًا)، وهي تراقب العربة تهوي من جرف صخري ثم تختفي داخل نفق جبلي: «لا أستطيع أن أصدق أننا جلبنا شيئًا كهذا إلى وطننا»، في تعبير يتكرر على ألسنة كثير من السعوديين الذين شهدوا افتتاح أول متنزه ترفيهي متكامل في البلاد.

ويمثل «ستة فلاجز» حجر الأساس لمشروع «مدينة القدية»، وهو تطوير عملاق بتمويل أساسي من صندوق الاستثمارات العامة، صندوق الثروة السيادية السعودي.

وبحلول عام 2030، يُتوقع أن تضم القدية متنزهات عالمية مثل «دراجون بول»، وحلبة فورمولا 1، وساحات ضخمة للرياضات الإلكترونية، لتتحول إلى واحدة من أكبر وجهات الترفيه في العالم.

ويأتي هذا التحول بعد سنوات كان فيها الترفيه العام محدودًا للغاية في السعودية، حيث كانت دور السينما والحفلات الموسيقية والاختلاط في الأماكن العامة محظورة، واضطر الميسورون للسفر إلى الخارج بحثًا عن المتعة.

إلا أن هذا الواقع تغيّر بوتيرة متسارعة منذ عام 2017، عندما صعد محمد بن سلمان إلى ولاية العهد، حاملاً رؤية لإعادة صياغة المجتمع والاقتصاد.

ورغم الجدل الدولي الذي أحاط بإصلاحاته، لا سيما في ملفات حقوق الإنسان وقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، فإن التوجه نحو الترفيه بات يُنظر إليه كضرورة اقتصادية وثقافية.

فالمملكة تسعى لتقليص اعتمادها على النفط في ظل تقلب أسعاره، كما أن نحو 70% من سكانها دون سن 35 عامًا، وهي فئة شابة تُعد الأكثر استهلاكًا للترفيه والألعاب.

وتغطي القدية مساحة تعادل نحو ثلاثة أضعاف مساحة باريس، وتمتد فوق أودية وهضاب ومنحدرات جبال طويق بارتفاع 250 مترًا.

وتشمل الخطة الرئيسية نحو 12 حيًا سكنيًا وتجاريًا وتعليميًا، تتمحور جميعها حول مرافق ترفيهية ورياضية وثقافية، في محاولة لدمج المتعة في الحياة اليومية للسكان.

ويُراهن المشروع أيضًا على اقتصاد الألعاب، إذ تشير تقديرات دولية إلى أن صناعة ألعاب الفيديو قد تتجاوز إيراداتها 200 مليار دولار بحلول 2026، فيما يُتوقع أن يصل سوق الأنمي العالمي إلى نحو 220 مليار دولار بحلول 2035، وهي قطاعات تسعى السعودية لاقتحامها بقوة.

ويرى القائمون على المشروع أن قرب القدية من الرياض يمنحها ميزة حاسمة، بخلاف مشاريع عملاقة أخرى مثل نيوم، التي واجهت تساؤلات حول جدواها.

ويقول المدير العام عبد الله الداود إن هدف القدية هو تلبية احتياجات العاصمة المتنامية، التي يقترب عدد سكانها من 8 ملايين نسمة.

وفي مارس المقبل، من المقرر افتتاح «أكوارابيا»، أول متنزه مائي في السعودية، في اختبار عملي لمدى تقبل المجتمع لأشكال أكثر تقدمًا من الترفيه المختلط.

وبينما ما تزال جذور المحافظة حاضرة، يرى مراقبون أن ما جرى في ليلة افتتاح «ستة فلاجز» — مع عروض الألعاب النارية والطائرات المسيّرة — يؤكد أن وتيرة التغيير في السعودية باتت أسرع مما كان متوقعًا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.