قالت صحيفة التايمز البريطانية إن التطورات الأخيرة في الحرب على إيران كشفت عن حالة قلق متصاعدة داخل العواصم الخليجية، مع تصاعد الشكوك في موثوقية الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، وسط مخاوف من تكرار سيناريو “التخلي المفاجئ” عن الحلفاء بعد دفعهم إلى قلب المواجهة.
وبحسب الصحيفة فإن القادة الذين راهنوا على ترامب كانوا يدركون طبيعته المتقلبة، لكن التناقض الحاد في مواقفه الأخيرة تجاه إيران تجاوز حدود المناورة السياسية، ليصل إلى مستوى يهدد استقرار المنطقة ويضع حلفاء واشنطن في موقف بالغ الهشاشة.
وخلال أيام قليلة، انتقل خطاب ترامب من التهديد بتدمير شامل للبنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك منشآت الطاقة وتحلية المياه، إلى الحديث عن إمكانية إنهاء الحرب سريعًا، حتى لو أدى ذلك إلى ترك إيران تفرض سيطرتها على مضيق هرمز.
وذكرت الصحيفة أن هذا التحول الحاد لا يُقرأ فقط كتراجع تكتيكي، بل كإشارة خطيرة إلى احتمال انسحاب أمريكي يترك المنطقة أمام فراغ أمني واسع، تتحمل دول الخليج تبعاته المباشرة، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد.
في هذا السياق، تبدو دول الخليج منقسمة في تقييمها لمسار الحرب، حيث تميل بعض الدول إلى دعم إنهاء سريع للصراع، انطلاقًا من قناعة بأن النظام الإيراني سيبقى، وأن التعايش معه أصبح أمراً واقعياً لا يمكن تجاوزه.
في المقابل، تدفع قوى أخرى باتجاه إطالة أمد الحرب بهدف إضعاف إيران بشكل أكبر، خشية أن يؤدي أي انسحاب مبكر إلى خروج طهران أكثر قوة، بعد أن أثبتت قدرتها على استهداف العمق الخليجي بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
غير أن هذا الرهان يحمل مخاطرة مزدوجة، إذ إن استمرار الحرب لا يضمن تحييد إيران، كما أن إنهاءها بشكل مفاجئ قد يمنحها انتصارًا استراتيجيًا، ما يضع الحلفاء أمام خيارين كلاهما مكلف.
وتعكس تصريحات ترامب الأخيرة حالة من الارتباك الاستراتيجي، حيث دعا دولاً غربية إلى “إظهار الشجاعة” والسيطرة على مضيق هرمز، في وقت تواصل فيه واشنطن حشد قواتها في المنطقة، بما يشير إلى تناقض بين الدعوة لتقاسم الأعباء والاستعداد لتصعيد عسكري محتمل.
وقالت الصحيفة إن هذا التناقض يثير مخاوف حقيقية لدى الحلفاء، الذين يرون أن واشنطن قد تدفعهم إلى الواجهة، ثم تتراجع في اللحظة الحاسمة، كما حدث في تجارب سابقة، أبرزها الحرب على الحوثيين في اليمن، التي انتهت بشكل مفاجئ دون تحقيق أهدافها المعلنة.
وتُظهر هذه السوابق أن نهج ترامب يقوم على تصعيد سريع يعقبه انسحاب غير متوقع، وهو ما يضع شركاءه أمام واقع أمني معقد دون ضمانات أمريكية واضحة.
في هذا الإطار، تعيد دول الخليج تقييم علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، حيث لم يعد الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية خياراً مضموناً، في ظل تزايد مؤشرات عدم الاستقرار في القرار الأمريكي.
وتتجه بعض الدول إلى تعزيز تعاونها مع شركاء دوليين آخرين، والعمل على تحركات دبلوماسية متعددة، بما في ذلك الدفع نحو قرارات دولية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لتقليل الاعتماد على القرار الأمريكي الأحادي.
لكن هذه التحركات لا تخفي حقيقة أن المنطقة تواجه مرحلة غير مسبوقة من عدم اليقين، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، في ظل تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية.
كما أن استمرار الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية يعمّق الأزمة، ويجعل أي تسوية سياسية أكثر تعقيداً، خاصة مع انعدام الثقة بين الأطراف.
وأكدت التايمز أن الأزمة الحالية تكشف عن تحول عميق في معادلة التحالفات، حيث لم يعد الحليف الأمريكي ضامناً للاستقرار كما في السابق، بل أصبح عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، نتيجة سياسات متقلبة تفتقر إلى الاتساق.
وخلصت إلى أنه مع استمرار هذا النهج، تجد دول الخليج نفسها أمام واقع استراتيجي جديد: إما التكيف مع بيئة إقليمية غير مستقرة دون مظلة موثوقة، أو إعادة صياغة تحالفاتها بشكل جذري، في ظل إدراك متزايد أن الاعتماد على واشنطن لم يعد كما كان.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74557