بعد 12 يومًا من التصعيد العسكري غير المسبوق بين إسرائيل وإيران، بدأت تتضح ملامح ما يصفه مسؤولون أميركيون وإسرائيليون بأنه “نقطة تحول استراتيجية” في ملف البرنامج النووي الإيراني. فبحسب تقييمات أمنية سرّبتها مصادر رسمية إلى صحيفة واشنطن بوست، فإن الضربات العسكرية المركّزة التي شنّها التحالف الأميركي – الإسرائيلي قد كبّدت طهران خسائر هائلة في بنيتها التحتية النووية والعلمية، وأعادت برنامجها سنوات إلى الوراء.
“إيران لم تعد على عتبة السلاح النووي”
قال مصدر أمني إسرائيلي إن “إيران لم تعد دولة على أعتاب امتلاك سلاح نووي”، مؤكدًا أن طهران ستحتاج إلى عامين على الأقل لإعادة بناء قدرتها على إنتاج سلاح نووي، حتى إذا حاولت إخفاء عملياتها. وأضاف أن أي محاولة مستقبلية لاستعراض “قدرة نووية بدائية” سيتم رصدها مبكرًا، ومن المرجح أن تواجه بردّ عسكري وقائي.
ويعزّز هذا التقييم الادعاءات القديمة لكل من إسرائيل وإدارة ترامب بأن الحملة المستمرة منذ سنوات لعرقلة البرنامج الإيراني بدأت تؤتي ثمارها، لكن تبقى “الجهالات غير المعروفة” كما وصفتها مصادر أميركية – في إشارة إلى احتمال وجود مواقع سرية، أو مخزونات لم يتم كشفها.
تدمير المنشآت وضرب قلب البرنامج
استهدفت الضربات المكثفة منشآت رئيسية في البنية التحتية النووية الإيرانية، أهمها:
منشأة نطنز: المفاعل الرئيسي لتخصيب اليورانيوم، وقد تعرّض لتدمير واسع النطاق.
مجمع فوردو تحت الأرض: أُصيب بأضرار عطلت نشاطاته لأمد بعيد.
منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان: تم تدميرها، وهي مسؤولة عن تحويل اليورانيوم المخصب إلى لوحات معدنية تُستخدم في الرؤوس النووية.
مخزن سري في موقع غير معلن: دفنت فيه إيران نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وفق المصدر الإسرائيلي، وقد تم تدميره بالكامل.
اغتيال العقول… ضربة لا تُعوّض
الجانب الأخطر في العملية، والذي لم ينل التغطية الإعلامية الكافية، هو استهداف النخبة العلمية الإيرانية. إذ أكدت المصادر أن الضربات الأولى في بداية الحرب نجحت في قتل غالبية علماء الفيزياء النووية الإيرانيين من الصفين الأول والثاني، وأغلب علماء الصف الثالث.
وقالت المصادر إن هذه الضربة “أفقدت البرنامج جوهره البشري”، مضيفة أن إسرائيل تعتقد أن هذا الهجوم سيؤدي إلى ردع أي أجيال شابة من العلماء عن الانخراط في برنامجٍ يثبت أن نهايته مأساوية. كما يُعتقد أن تدمير الكوادر العِلمية أوقف تقدم مشاريع خطيرة مثل تطوير سلاح نبضي كهرومغناطيسي (EMP) كان سيُستخدم لشلّ البنية التحتية الإلكترونية في إسرائيل.
حرب متعددة الأوجه: جوية، إلكترونية، استخباراتية
وصف مسؤولون أميركيون وإسرائيليون العمليات بأنها “حرب متكاملة على ثلاث جبهات”: الجو، التجسس، والخوارزميات. فقد استخدمت إسرائيل والولايات المتحدة أدوات متقدمة لجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية، وربطت بين بيانات رقمية وبشرية في تنسيق محكم مكّن من استهداف شخصيات ومواقع على أعلى درجات الحماية.
وقال أحد المصادر إن “الحرب لم تكن مجرد غارات جوية، بل استعراض استخباراتي غير مسبوق في الدقة والتنفيذ”.
الضربة الأميركية: ختام ناري
شاركت الولايات المتحدة في المرحلة الأخيرة من العملية، حين أطلقت قاذفات B-2 قنابل خارقة للتحصينات على المواقع الإيرانية، وشاركت سفنها الحربية في إطلاق صواريخ توماهوك. وقد شكّلت هذه الضربات ذروة الهجوم العسكري، وأعطت دفعة سياسية للرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب، الذي أعطى الضوء الأخضر للعملية منذ بدايتها في 13 يونيو.
وبحسب تقرير الصحيفة، كانت واشنطن تراقب مجريات الحملة عن كثب، وتدخلت عسكريًا عندما تبين أن الحملة تمضي بنجاح دون ارتدادات إقليمية خطيرة.
ورغم الدمار، تُشير مصادر أميركية إلى أن إيران قد تحتفظ ببعض الموارد – مثل أجهزة طرد مركزي بديلة أو كميات صغيرة من اليورانيوم – مما قد يسمح لها بمحاولة “يائسة” لصنع سلاح نووي بدائي أو “قنبلة قذرة”. إلا أن القدرات الحالية، بحسب ذات المصادر، لا تسمح ببناء قنبلة نووية قابلة للإطلاق في الأفق المنظور.
إيران قد تردّ بطرق غير تقليدية
مع خسارتها لمعظم بنيتها النووية، قد تختار طهران الرد عبر عمليات “غير متماثلة”، كشنّ هجمات سيبرانية أو عمليات إرهابية عبر أذرعها في الإقليم. ويعتقد المسؤولون أن “إيران لن تصمت، لكن ردها لن يكون عبر صواريخ نووية”، وإنما من خلال طرق غير متوقعة.
وتشير التقييمات الأميركية والإسرائيلية إلى أن البرنامج النووي الإيراني لن يتعافى قريبًا، وأنه قد شُلّ فعليًا لأعوام، لكن هذا لا يعني نهاية التهديد الإيراني. فالقدرات الإيرانية على التكيف، والرد عبر قنوات مختلفة، تظل قائمة، بل وقد تزداد مع تعقّد الموقف الإقليمي.
ومع ذلك، تبقى الضربات الأخيرة أقوى صفعة يتلقّاها البرنامج النووي الإيراني منذ تأسيسه، وربما تكون قد غيّرت مسار الصراع على المدى الطويل.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72114