دخلت العلاقات بين الصومال ودولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة توتر غير مسبوقة، عقب اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند المنشق دولةً مستقلة، في خطوة اعتبرتها مقديشو مساسًا مباشرًا بوحدة أراضيها، واتهمت أبوظبي بالوقوف خلفها سياسيًا ولوجستيًا من خلف الكواليس.
وأبرزت شبكة بي بي سي أنه خلال الأسابيع الماضية، كثّفت الحكومة الصومالية تحركاتها الدبلوماسية إقليميًا ودوليًا لحشد الدعم ضد الاعتراف الإسرائيلي، وتمكنت من كسب تأييد عدد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط.
غير أن هذه الجهود ترافقت مع تدهور حاد في علاقة محورية واحدة، هي الشراكة الطويلة مع الإمارات، التي كانت تُعد لسنوات لاعبًا رئيسيًا في أمن الصومال واقتصاده.
ويمتلك الصومال ساحلًا استراتيجيًا يزيد طوله على 3 آلاف كيلومتر على خليج عدن والمحيط الهندي، وهي منطقة لطالما شكّلت بؤرة حساسة للقرصنة وتهريب السلاح والصراعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، نسجت الإمارات علاقات متعددة المستويات مع الحكومة الفيدرالية الصومالية ومع الأقاليم شبه المستقلة، وتولت عبر شركاتها تشغيل موانئ رئيسية في بوصاصو (بونتلاند)، وكيسمايو (جوبالاند)، وبربرة في صوماليلاند.
لكن يوم الاثنين، أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء جميع اتفاقيات إدارة الموانئ والتعاون الأمني مع الإمارات، متهمة إياها بتقويض السيادة الوطنية.
وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في خطاب متلفز عقب اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء، إن بلاده “اضطرت لاتخاذ هذا القرار” بعد تقييم دقيق لطبيعة العلاقة مع أبوظبي، مضيفًا أن الإمارات “لم تتعامل مع الصومال كدولة ذات سيادة كاملة”.
ولم يصدر رد رسمي إماراتي على تصريحات الرئيس الصومالي حتى الآن.
ويرى عمر محمود، الباحث الأول في مجموعة الأزمات الدولية، في حديث لبي بي سي، أن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند شكّل العامل المفجّر للأزمة.
ويقول إن الصومال يعتبر الخطوة الإسرائيلية انتهاكًا صارخًا لوحدة أراضيه، ويعتقد أن الإمارات لعبت دورًا داعمًا لهذا المسار، خصوصًا في ظل علاقاتها الوثيقة بكل من إسرائيل وصوماليلاند.
وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا باستقلال صوماليلاند، ما أثار احتفالات واسعة في هرجيسا، عاصمة الإقليم، الذي يسعى منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى نيل اعتراف دولي كامل.
وفي المقابل، أعلنت صوماليلاند نيتها الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” لعام 2020، التي أقامت بموجبها الإمارات والبحرين والمغرب علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وهو ما منح حكومة بنيامين نتنياهو مكسبًا سياسيًا إضافيًا في ظل الانتقادات الدولية لحرب غزة.
ويشير محمود إلى أن المنطقة باتت تنقسم بشكل متزايد إلى محاور جيوسياسية متنافسة، مع تموضع الإمارات وإسرائيل في محور، مقابل السعودية وتركيا وقوى إقليمية أخرى في محور مختلف.
وفي تطور لافت، أفاد موقع “ميدل إيست آي” بأن الإمارات بدأت إجلاء عناصرها الأمنية ومعداتها العسكرية الثقيلة من قاعدتها الجوية في بوصاصو، في مؤشر عملي على عمق الأزمة.
ويأتي ذلك في سياق توتر متراكم منذ عام 2024، حين أبدت إثيوبيا، الحليف الإقليمي الوثيق للإمارات، استعدادها للاعتراف بصوماليلاند مقابل الحصول على منفذ بحري، ما أثار شكوكًا عميقة لدى مقديشو.
وزادت الأزمة تعقيدًا مع اتهامات صومالية للإمارات باستخدام الأراضي والمجال الجوي الصوماليين للمساعدة في تهريب عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.
وقال وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية علي عمر إن استخدام المطارات الصومالية في مثل هذه العمليات “أمر غير مقبول”.
وليست هذه أول أزمة دبلوماسية بين الجانبين، إذ سبق للصومال أن قطع علاقاته مع الإمارات عام 2018، قبل أن تُستأنف لاحقًا.
غير أن محللين يرون أن فقدان الثقة هذه المرة أعمق، وأن إصلاح العلاقة سيحتاج إلى جهود دبلوماسية كبيرة وخطوات عملية تعيد طمأنة الصومال بشأن سيادته ووحدة أراضيه، في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد والتنافس.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73722